السيد محمدحسين الطباطبائي
323
تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن
لأنفسهم ولقوى أنفسهم ولما يتعلّق بأنفسهم ، فملكهم لأنفسهم ولقواها ومتعلّقاتها إنّما هو بتمليكه إيّاهم لما ملكه بالذات ، فهو الحائل بينهم وبين أنفسهم وقواها ومتعلّقاتها ، فهو القريب منهم على الإطلاق من غير بعد أصلا ، كما قال : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ « 1 » وقال تعالى : أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ « 2 » وقال تعالى : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ . « 3 » وهو تمليك في ملك ليس على نحو النقل والانتقال ، كما يملّك أحدنا صاحبه بالبيع ، فينزع الملك عن نفسه ويقلّده صاحبه على ما قالته اليهود : وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ « 4 » وكما قاله جمع من هذه الامّة ، فسمّاهم النبيّ مجوس هذه الامّة ، فيما رواه الفريقان عنه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : « القدريّة مجوس هذه الأمّة » . « 5 » فسلطانه تعالى واقع غير منقطع عن كلّ صغير وكبير ممّا بأيدي عباده ، وحينئذ فليس يستقبلهم شيء من أنفسهم أو ما يتعلّق بأنفسهم ممّا يريدونه إلّا بإذنه وإيتائه وإعطائه ، فما يملّكه ويأذن فيه من ذلك يقع ، وما لا يعطيه لا يقع وإن بذل في سبيله وطريق نيله كلّ جهد وعناية ، قال سبحانه : يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ « 6 » وقد قال تعالى : وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما
--> ( 1 ) . الواقعة ( 56 ) : 85 . ( 2 ) . الأنفال ( 8 ) : 24 . ( 3 ) . ق ( 50 ) : 16 . ( 4 ) . المائدة ( 5 ) : 64 . ( 5 ) . جامع الأخبار : 161 ؛ سنن أبي داود 2 : 410 ، الحديث : 4691 ؛ عوالي اللآلي 1 : 166 ؛ السنن الكبرى 10 : 203 ؛ كنز العمّال 1 : 119 ، الحديث : 566 . ( 6 ) . فاطر ( 35 ) : 15 .